فنون

جيل القلق.. كيف تعيد الهواتف الذكية تشكيل أدمغة أطفالنا؟

يُعد كتاب «جيل القلق.. كيف تسببت إعادة تشكيل الطفولة في العصر الرقمي في انتشار وباء الأمراض النفسية» (The Anxious Generation) لعالم النفس الاجتماعي الأمريكي جوناثان هايدت، أحد أبرز الكتب التي صدرت عام 2024 وأثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط التربوية والنفسية حول العالم، إذ لا يكتفي المؤلف برصد الارتفاع الحاد في معدلات القلق والاكتئاب بين الأطفال والمراهقين، بل يقدم تفسيرًا متكاملًا لهذه الظاهرة، مستندًا إلى مئات الدراسات والإحصاءات، ليخلص إلى أن العالم شهد خلال سنوات قليلة تحولًا جذريًا في طبيعة الطفولة، بعد أن انتقلت من فضاء اللعب والتجربة الواقعية إلى عالم الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.

يبدأ هايدت كتابه بسؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في طياته أزمة جيل كامل: ماذا حدث للأطفال بعد عام 2012؟ ولماذا ارتفعت، في معظم الدول الغربية خلال الفترة نفسها، معدلات القلق والاكتئاب وإيذاء النفس والانتحار بين المراهقين بصورة غير مسبوقة؟ ويؤكد أن الإجابة لا يمكن اختزالها في الأزمات الاقتصادية أو الاضطرابات السياسية أو حتى جائحة كورونا، لأن بوادر الأزمة بدأت قبل ذلك بسنوات، وتحديدًا مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي.

ويذهب المؤلف إلى أن البشرية عاشت خلال الفترة من 2010 إلى 2015 ما يسميه “إعادة البرمجة الكبرى للطفولة”؛ وهي المرحلة التي أصبح فيها الهاتف الذكي الرفيق الدائم للأطفال والمراهقين، وانتقلت خلالها حياتهم الاجتماعية تدريجيًا من الشارع والمدرسة والحديقة إلى شاشة صغيرة يحملونها في جيوبهم، ويؤكد أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في وسيلة الاتصال، بل غيّر أنماط التفكير، والعلاقات الإنسانية، وطريقة إدراك الذات والعالم.

ويستعرض هايدت مجموعة كبيرة من المؤشرات التي تدعم هذه الفرضية، فقد تضاعفت تقريبًا معدلات الاكتئاب بين المراهقين، وارتفعت حالات إيذاء النفس بصورة لافتة، خاصة بين الفتيات في المرحلة العمرية من 10 إلى 14 عامًا، كما شهدت المستشفيات زيادة كبيرة في استقبال حالات محاولات الانتحار خلال العقد الماضي. ويرى المؤلف أن تزامن هذه المؤشرات مع الانتشار الكاسح للهواتف الذكية يصعب اعتباره مجرد مصادفة، بل يمثل دليلًا على أن البيئة التي نشأ فيها هذا الجيل تغيرت جذريًا.

ولا يحمّل هايدت التكنولوجيا وحدها المسؤولية، بل ينتقد أيضًا أسلوب التربية الحديث، فمن وجهة نظره، بالغ الآباء في حماية أطفالهم داخل العالم الواقعي، فمنعوهم من الاستقلال، وخافوا عليهم من اللعب الحر أو الخروج بمفردهم، بينما تركوهم لساعات طويلة داخل فضاء رقمي مفتوح، يفتقر إلى الضوابط ويعرضهم لضغوط اجتماعية ونفسية متواصلة. وهكذا، أصبح الطفل أكثر أمانًا في الشارع، لكنه أقل أمانًا على الإنترنت.

ومن أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب أن اللعب الحر ليس ترفًا، بل ضرورة بيولوجية ونفسية، فمن خلال اللعب يتعلم الطفل حل المشكلات، وإدارة الخلافات، وتحمل المسؤولية، وضبط الانفعالات، واكتساب الثقة بالنفس، أما عندما تُستبدل هذه الخبرات بالتفاعل عبر الشاشات، فإن الطفل يفقد تدريجيًا كثيرًا من المهارات التي يحتاجها ليصبح شخصًا متوازنًا.

ويولي هايدت اهتمامًا خاصًا بالفتيات، موضحًا أنهن كن الأكثر تأثرًا بالانتقال إلى منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة بعد الانتشار الواسع لتطبيق إنستجرام. فقد أصبح تقييم الذات مرتبطًا بالإعجابات والتعليقات والصور المعدلة رقميًا، الأمر الذي أدى إلى تصاعد المقارنات الاجتماعية، وزيادة الشعور بعدم الرضا عن الشكل والمظهر، وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب بين المراهقات. وفي المقابل، يشير إلى أن الأولاد اتجهوا بصورة أكبر إلى الألعاب الإلكترونية والعوالم الافتراضية، بما حملته من آثار مختلفة على النمو الاجتماعي والانفعالي.

ويشير المؤلف إلى أن أخطر ما أحدثته الهواتف الذكية ليس فقط زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، بل خلق حالة من الوجود الدائم في مكان آخر. فالطفل قد يجلس وسط أسرته أو داخل فصله الدراسي، لكنه يظل منشغلًا بما يحدث على هاتفه، مترقبًا رسالة أو إشعارًا أو تعليقًا جديدًا. ومع الوقت، تتراجع قدرته على التركيز، ويصبح التواصل الواقعي أقل جاذبية من العالم الرقمي الذي لا يتوقف عن اجتذاب انتباهه.

ورغم الصورة القاتمة التي يرسمها هايدت، فإنه لا يدعو إلى إعلان الحرب على التكنولوجيا، بل إلى إعادة التوازن بين العالمين الحقيقي والافتراضي، فالأطفال، في رأيه، يحتاجون إلى طفولة حقيقية يعيشونها بأجسادهم وعقولهم، لا من خلال الشاشات. كما يؤكد أن مسؤولية استعادة هذه الطفولة لا تقع على الأسرة وحدها، بل تشمل المدارس، وشركات التكنولوجيا، وصناع القرار، وكل من يشارك في رسم مستقبل الأجيال الجديدة.

ويختتم المؤلف رسالته بالتأكيد على أن الأزمة ليست قدرًا محتومًا، وإنما نتيجة خيارات اجتماعية وثقافية يمكن مراجعتها. وإذا كان العالم قد سمح للتكنولوجيا بأن تعيد تشكيل الطفولة خلال عقد واحد، فإنه قادر أيضًا على إعادة بناء بيئة أكثر توازنًا، تمنح الأطفال حقهم في اللعب، والتفاعل الإنساني، والنمو النفسي السليم، قبل أن يصبح القلق السمة الأبرز لجيل كامل.

صدر كتاب «The Anxious Generation» عام 2024، وألفه عالم النفس الاجتماعي الأمريكي جوناثان هايدت، أستاذ القيادة الأخلاقية في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك، وأحد أبرز الباحثين في علم النفس الاجتماعي، وقد تصدر الكتاب قوائم الأكثر مبيعًا عالميًا، وأصبح مرجعًا مهمًا في النقاش الدائر حول تأثير الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، ودور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الأجيال الجديدة من آثارها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى