تعليم
لطيفة النعيمي تقدم وصفة للنجاح في التعامل مع الذكاء الاصطناعي

دعت الكاتبة لطيفة شاهين النعيمي، أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر، إلى تأسيس جهة وطنية دائمة تتولى استشراف المستقبل، وتراجع باستمرار البرامج الأكاديمية والتخصصات الجامعية، وتقيس مدى توافقها مع احتياجات الاقتصاد الوطني، ثم تقترح التطوير اللازم قبل أن تتسعَ الفجوة بين التعليم وسوق العمل.
وذكرت النعيمي، عبر مقالها المنشور بجريدة الراية ، اليوم الاثنين ( 3 أغسطس) أنها تلقت أسئلةً من أحد الصحفيين للمُشاركة في استطلاع رأي ضمن مجموعةٍ من الأكاديميين حول مدى استعداد سوق العمل القطري للعَقد المقبل، في ظل التحوّل نحو اقتصاد المعرفة والتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وكذلك حول مدى مواكبة التخصصات التي تطرحها الجامعات القطرية لاحتياجات سوق العمل المستقبلية.
أضافت “كان جوابي واضحًا: إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحديث عن الذكاء الاصطناعي، بل في قدرتنا على إعادة بناء منظومة التعليم بأكملها لتصبح أكثر ارتباطًا باحتياجات الوطن، وأكثر مرونة في مواكبة المتغيّرات العالمية، ولا أرى أن الجامعات وحدها قادرة على القيام بهذه المهمة، لأنها جزء من منظومة أكبر”.
” من يتأمل التجرِبة الصينية على سبيل المثال، يلحظ أن مراجعة التخصصات الأكاديميّة تتم بصورة مستمرة، وأن البرامج التي لا تجد طلبًا في سوق العمل يعاد النظر فيها، مقابل استحداث برامج جديدة تواكب التحوّلات الاقتصادية والتكنولوجية، لكن ما يستحق التأمل أكثر أن هذه الدول لم تبدأ إصلاحها من الجامعة، وإنما من النشء، وذلك بإنشاء أجيالٍ تمتلك الانضباط، وتُحسن إدارة الوقت، وتعتاد تحمل المسؤولية، وهي كلها مهارات لا تقل أهمية عن أي شهادة جامعية، أما نحن، ففي كثير من الأحيان، نُحمّل الآخرين مسؤولية كل شيء نيابة عن أبنائنا؛ فنربّي جيلًا يعتمد على غيره في أبسط تفاصيل حياته، ثم نتساءل لاحقًا لماذا لا يمتلك مهارات المبادرة والإبداع والاستقلالية التي يتطلبها سوق العمل الحديث”.
أضافت :” من هنا أرى أن الحديث عن التكنولوجيا يجب ألا يتحوّل إلى حالة من الهلع أو الهوس، فالذكاء الاصطناعي أداة مهمة بلا شك، لكنه يظل أداة صنعها الإنسان، ولا يمكن أن تحل محل العقل البشري ولا القيم ولا التفكير النقدي، والخطر الحقيقي ليس في استخدام هذه التقنية، وإنما في أن تتحولَ إلى وسيلة تُلغي التفكير، وتجعل الطالب يعتمد على الإجابات الجاهزة بدلًا من البحث والتحليل والإبداع”.
أكدت النعيمي أن “الاعتماد الكُلي على الأنظمة الرقْمية يفرض علينا أن نحافظَ في الوقت نفسه على قدرات الإنسان الأساسية، لأن أي تقنية تبقى رهينة بالبنية التحتية التي تقوم عليها، بينما يظل العقل البشري هو الضمان الحقيقي لاستمرار التنمية في كل الظروف”.
وشددت النعيمي على أن اقتصاد المعرفة لا يقوم على امتلاك أحدث التطبيقات، وإنما على امتلاك الإنسان القادر على التعلم المستمر، والتكيّف مع المتغيّرات، وإنتاج المعرفة، لا مجرّد استهلاكها، ولهذا فإن الاستعداد للعَقد المقبل لا يبدأ من شراء تقنيات جديدة، بل يبدأ من مراجعة فلسفة التعليم نفسها، ومن إعادة النظر في التخصصات، ومن تعزيز المهارات الحياتية، وترسيخ ثقافة الاعتماد على النفس، وربط التعليم منذ مراحله الأولى باحتياجات التنمية الوطنيّة.
ختمت التعيمي قائلة إن “المستقبل لا يصنعه الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما يصنعه الإنسان الذي يعرف كيف يوظف هذه التقنية لخدمة وطنه، دون أن يسمحَ لها بأن تعطلَ عقله أو تنتزعَ منه قدرته على التفكير والإبداع”.



